عبد الله بن أحمد النسفي

185

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 43 إلى 46 ] عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ( 43 ) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 44 ) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( 45 ) وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ( 46 ) أنفسنا وألقيناها في التهلكة بما نحملها على المسير في تلك الشّقّة وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فيما يقولون . 43 - عَفَا اللَّهُ عَنْكَ كناية عن الزلة لأنّ العفو رادف لها ، وهو من لطف العتاب بتصدير العفو في الخطاب ، وفيه دلالة فضله على سائر الأنبياء عليهم السّلام حيث لم يذكر مثله لسائر الأنبياء عليهم السّلام لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ بيان لما كنّى عنه بالعفو ، ومعناه ما لك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك واعتلّوا لك بعللهم ، وهلّا استأنيت بالإذن حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ يتبين لك الصادق في العذر من الكاذب فيه ، وقيل شيئان فعلهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يؤمر بهما : إذنه للمنافقين وأخذه الفدية من الأسارى ، فعاتبه اللّه ، وفيه دليل جواز الاجتهاد للأنبياء عليهم السّلام ، لأنه عليه السّلام إنّما فعل ذلك بالاجتهاد ، وإنما عوتب مع أنّ له ذلك لتركه الأفضل ، وهم يعاتبون على ترك الأفضل . 44 - لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ عدة لهم بأجزل الثواب . 45 - إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني المنافقين وكانوا تسعة وثلاثين رجلا وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ شكّوا في دينهم واضطربوا في عقيدتهم فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ يتحيّرون ، لأن التردد ديدن المتحيّر كما أنّ الثبات ديدن المتبصّر . 46 - وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ للخروج ، أو للجهاد عُدَّةً أهبة لأنهم كانوا مياسير ، ولما كان ولو أرادوا الخروج معطيا معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو قيل وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ نهوضهم للخروج ، كأنه قيل ما خرجوا ولكن تثبّطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم فَثَبَّطَهُمْ فكسّلهم وضعّف